يوسف زيدان
142
رسالة الأعضاء
من النافع ، فيكون الحسّ له معطّلا وضارّا أيضا . وأبعد من هذا أن يكون له عقل وفهم وفكر ، كما يزعم أنكساغورس « 1 » ، وديمقراطيس « 2 » ، وأنبادقلس « 3 » ، وأشياعهم « 4 » . وإذ لا حسّ ، فلا حركة إرادية ؛ فلا حاجة إلى روح ، فلا حاجة إلى قلب يولّدها ، ولا إلى دماغ يعدّلها ، فلا حاجة إلى خوادمها كالرئة وقصبتها ، والأنف والحجاب والصدر وأعضائه والشرايين ، ولا إلى قحف وأغشية وحواسّ وأعصاب ونخاع . وإذ لا حس ، فلا تخيّل ، ولا توهّم ، ولا تذكّر ؛ لأن هذه تابعة للحسّ أيضا . ولا شهوة ؛ لأنها تابعة لإدراك النافع . وإذ لا شهوة ، فجذبه الغذاء طبيعيّا صرفا ، يشبه جذب الكبد . فاضطر لذلك إلى موارد كثيرة ، وهي الأصول ؛ بخلاف الحيوان ، فإن وروده للغذاء بوارد - وهو الفم - لأن جذبه للغذاء إراديّ ، فلذلك يقرب من كل غذاء يعتقده نافعا . وأما النبات فليس له الانحراف عن موضعه ، ليستبدل الخبيث بالطيب أو الخصب بالقحط .
--> ( 1 ) أنكساجوراس Anaxagoras القلازوميني : آخر فلاسفة إيونيه ، توفي 428 قبل الميلاد . . يعد واحدا من البدايات الحقيقية للفلسفة الطبيعية في اليونان القديمة ، وكان يرى أن الكون بدأ بخليط من البذور Spermata لا حصر لها ، ثم أضفى عليها العقل nus النظام ، وعن طريق الامتزاج والانفصال ، تتكون الأشياء في العالم الطبيعي . ( 2 ) ديمقراطيس Dimocratis الأبديري : أشهر الفلاسفة الذريين ، كان لا يزال شابّا إبان شيخوخة أنكساجوراس . . واتخذت نظرية الذرة طابعها الفلسفي الأخير على يد ديمقراطيس ، فالوجود عنده يتألف من الملاء pleres , stereon والخلاء cenon , manon وينقسم الملاء إلى أجزاء تسمى الذرات atomon ، وهي أجزاء لا تتجزأ ، ويحدث التغير في الكون من اجتماع الذرات وافتراقها . ( 3 ) أنبادقليس Anpadoclis الصقلي : فيلسوف يوناني مشهور ، تميز بنزعة صوفية شرقية ، توفي 435 قبل الميلاد . . وكان يقول : إن عناصر الوجود أربعة ( الهواء ، النار ، التراب ، الماء ) وإن القوى المحركة اثنتان : المحبة Philotes والقهر neicos ، وجميع الموجودات تتركب من هذه العناصر التي لا تتغير ولا تنعدم . ( 4 ) بخصوص آراء الفلاسفة السابقين وأتباعهم ، يمكن الرجوع إلى الفصل الذي عقده جورج سارتون لتاريخ الفلسفة والعلم حتى وفاة سقراط ( تاريخ العلم - الفصل العاشر ) أما عن معرفة المسلمين بتراثهم الفلسفي ، والصورة الملفقة التي انتقلت إلى العالم الإسلامي عنهم ، فيمكن الرجوع بصددها إلى كتاب الدكتور النشار ( نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام ، الجزء الأول ص 88 وما بعدها ) . وعموما ، فإننا لا نجد في الشذرات الباقية من أعمال أنكساجوراس وديمقراطيس وأنبادقليس ، تلك المعلومة التي ينسبها ابن النفيس إليهم ، بخصوص عقول النبات .